(إذا كنت لا تعرف ما تحب. ماذا تفعل؟ (مقال عن الشغف

الشغف هو الأهمّ. اتْبع شغفك.

Follow Your Passion.

هذه الجملة التي تتردّد على آذاننا كلّ يوم. وكلّما حضرنا محاضرة أو ندوة تدريبية. وكلّما شاهدنا واحدًا من أكثر النّاس نجاحًا في العالم على اليوتيوب أو خطابًا من خطابات TED.

لا نستطيع الإنكار أنّ من يعمل في ما يحبّ، سيعمل بشكل أفضل. وسيشعر براحة أكبر ومتعة أكبر أثناء عمله. ولكن، ماذا يفعل من لا يعرف ماذا يحب؟ ماذا يفعل كلّ هؤلاء الشباب الذين لم يستكشفوا العالم العمليّ بعد ليستطيعوا التيقّن من حبّهم لهذا المجال أو ذاك أكثر من غيره.

ماذا يفعل من يحبّ أكثر من مجال؟ يشعر أنّ لديه قدرة على تأليف الموسيقى ويحبّ العزف، وهو في الوقت نفسه يدرس الهندسة أو المحاسبة أو إدارة الأعمال، ويحبّ ما يدرس ومتفوّق فيه! هل يترك فرصة العمل في مجال دراسته ويطارد المجهول لأنه يهوَى الموسيقى والعزف؟ هل يهمل الموسيقى ويطارد مهنته الطبيعية التي يحبّها أيضًا؟

وهم الإلهام المفاجئ

أولًا عليك أن تعلم أن اكتشاف الشغف تمامًا كاكتشاف الفارس ذي الحصان الأبيض الذي سينتشل عروسه ممّا يحيط بها من متاعب ويذهب بها إلى جنّات الخلد. كلاهما خرافيّ لا وجود له بهذه الصورة.

لن تستيقظ ذات يومٍ من حلمٍ رائع تعرّفت فيه على الشئ الذي أنت شغوف به. لن تأتي تلك اللحظة الغامضة التي تنير عقلك فجأة وتكتشف فيها ما كنت تجهله عن نفسك. الشغف يتكوّن ببطء. يتكوّن بالعمل والممارسة. الشغف مرحلة متقدّمة من الإعجاب.

مثال من الواقع

في حوارنا مع المهندس هشام الجمل، بيّن لنا كيف تطوّر حبّه لما يعمل حتى وصل إلى الشغف في مجال التدريب. بدأ المهندس هشام حياتَه العملية في مجال الهندسة. واستمرّ فيها ٨ سنوات. حتى انتقل بعد ذلك لمجال المبيعات. وجد في المبيعات رضىً أكبر وتوافقًا أكبر مع شخصيته ومع ما يحبّ. لم يكن شغوفًا بالهندسة ولكنّه لم يكن يكرهها كذلك. ثم بعد ٨ سنوات أخرى في مجال المبيعات، أتيحت له الفرصة أن ينتقل إلى مجال التدريب الذي وجد حين مارسه قليلًا أنه يسبّب له المزيد من الرضا والراحة. وجد أن التدريب متوافقٌ أكثر مع شخصيته ومع ما يحبّ. ثم استمرّ في هذا المجال ما يقرب من العشرين عامًا حتى الآن وما يزال به شغوفًا.

انظر إلى التدرّج في الوصول من مجال إلى مجال حتى اكتشف شغفه الحقيقيّ. ومن يدري، ربّما بعد مرور الوقت يجد المهندس هشام أنّ مجالًا آخر فيه المزيد من الرضا والمزيد من التوافق!

إذن الشغف ليس مصباحًا سحريًا ستكتشفه فجأة. هو ينمو فيك رويدًا رويدًا. ومازلت تستكشف دواخلَك حتّى تصل إلى أكثر الأعمال توافقًا معك فتشير إليها وتقول: هذا شغفي. ثم تشير لمن هم في بداية الطريق وتقول بملء فمك: ”اتبع شغفك يا صديقي، فهو أفضل ما يمكن أن تعمل.“

الشغف أم المعنى؟

أيضًا قام المهندس هشام بالتفريق بين الشغف والمعنَى. قد لا تعرف شغفك. ولكنّك بالتأكيد تعرف إن كان ما تقوم به عملًا له معنَى. له قيمة حقيقية تشعر أنت بها. لا أتخيّل شخصًا شغوفًا بجمع القمامة من الطريق، ،لكنّي أؤمن تمامًا بقيمة النظافة.

لذلك، إن لم تكن تعرف شغفك بعد، لا مشكلة إطلاقًا. اقتنص أوّل فرصة تشعر بمعناها. اعمل بجدّ في هذا المجال. حقّق المعنى الذي تؤمن به. 

وبمرور الوقت، ستظهر فرصًا جديدة تساعدك على فهم نفسك بشكل أعمق. والتمييز بين ما تحبّ، وما تعشق. ولكن لن تُتَح لك هذه الفرص دون اقتناص الفرصة الأقرب أولًا.

ابدأ بأقرب فرصة تشعر بقيمتها. واعمل بجدّ. وسينمو الشغف بداخلك رويدًا رويدًا. كالفارس الذي ليس له حصان، ولا درع. ولكنّه يأخذ عروسَه حقًا إلى الجنّة.