لكي نمهّد الأمر لمعرفة تعريف النجاح تعال نتخيل المثالين التاليين:

1- رجلٌ فقيرٌ يحلُمُ بأن يصبح صاحب شركة يومًا ما. يعمل بجدّ ليلًا ونهارًا. لا يتقاضَى راتبًا كبيرًا، ولكنّه يدّخر ماله ويحاول أن يستغل هذا الراتب الضعيف في بناء الشركة التي يحلمُ بها. يؤمنُ تمامًا بما يمكنه تحقيقه، رغم واقعه المؤلم.

2- أستاذٌ جامعيّ حاصل على الدكتوراه. له أبحاثٌ كثيرة في مجاله العِلميّ. عمره خمسون. وقد توقّف عن البحث والتعلّم. فخورٌ بما حققه في الماضي. اكتفى بهذه الإنجازات ولم يعُد ينمو.

أعتقد أنك فهمت ما أريد أن أقوله.

ليست قيمة الإنسان في النتائج التي حققها في الماضي، بل فيما يدور في ذهنه الآن. قد يكونُ رجلًا بسيطًا يكافح حتى يجد الطعامَ، ولكنّه في داخل عقلِهِ يرَى رجلَ أعمالٍ ثريّ، ويحيا حياةً “عقلية” أخرى تمامًا. لا أقول أنه يحيا في الوَهم، بل هو في مكافحته الآن يتقدّم نحو تلك الصورة التي رسمها في خياله.

وقد يكون رجلًا عظيمًا حاصلًا على جوائزَ عدّة. ولكن لا يفكّر أبدًا في التقدّم. لا ينوي أن يحقق نجاحًا أكبر. قد اكتفَى بهذا. كان هذا الرجلُ ناجحًا حتى قرّر أن يتوقف عن النموّ.

ليس النجاح محطةً تصل إليها وتنتهي، بل هو رحلة مستمرّة أبدًا. وإن توقّفت في الطريق، فقد توقفت عن النجاح. وإن استأنفت من جديد، فقد عدت ناجحًا.

يقول إيرل نايتنجيل، عميد التنمية البشرية على مستوى العالم، أن النجاح هو تقدّم مستمرّ لادراك غايةٍ تستحقّ.

هذا هو التعريف الذي نتبنّاه، ونرى أنّه يعبّر التعبير الأدقّ عن النجاح. ولكن السؤال هنا: من الذي يستحق؟ أأنت الذي تستحق الغاية؟ أم الغاية هي التي تستحقك؟

أنتَ أفضلُ المخلوقات. فقد خلقَ اللهُ لكَ العقلَ وأعطاك القدرة على الفَهم والتعلّم والاختيار والنموّ والتطوّر. ليس هنا مكان مناقشة قدرات الإنسان ومقارنته بالمخلوقات الأخرى. ولكن عليك أن تعلم أنّك مميّز عن كل المخلوقات بالعقل الذي تملكه. ولم يخلقْك الله عبثًا. بل خلقك لتحقق رسالةً خاصّةً.

إذَن، فعليك السعي نحو الغاية التي تستحقّك، تستحقّ قدراتِك اللامحدودة، وتستحقّ سعيك إليها.

ولكن كيف تجد هذه الغاية؟

هناك أسئلة بسيطة تساعدك على اكتشاف غايتك:

  1. ما هو الشئ الواحد الذي ستحلم بتحقيقه إن ضمِنتَ أنّك لن تفشل فيه؟
  2. إن كان لديك ما يكفيك من احتياجات أساسية (طعام، ملبس، مسكن، .. إلخ)، ما العمل الذي ستسخّر له باقي عمرك بالمجّان؟
  3. ما هو العمل الذي عندما تقومُ به تنسَى الوقتَ والدنيا؟
  4.  بمَ تودُّ أن يذكرك الناسُ بعد وفاتك بمئة عام؟ (هذا هو الشخص الذي …… )

تذكّر دائمًا أنك قد تنمو بما يفوق أفضل توقّعاتك، وأعلَى آمالِك. ولكنّك أبدًا لن تنمو أبعدَ من الغاية التي ستسلّمُ لها نفسك.