حياة أكثر

النقد البناء والمدح الهدام – نظرة في كتاب العقلية

كثيرًا ما نسمع عن النقد البناء وطرقه. ولكننا لا نسمع عن المدح الهدام وطرقه! وفي هذا المقال نظرة من زاوية جديدة للنقد والمدح على حد سواء، كفيلة بتغيير معاملتنا مع أنفسنا ومع من نقودهم من أبناء أو طلّاب أو موظفين..

لا نستطيع أن نتمالك أنفسنا عندما يبهجنا خبرٌ سارّ عن أبنائنا أو طلابنا فنهنئهم ونحييهم ونشجعهم، ولماذا نتمالك أنفسنا أصلًا؟! فهم حققوا نتيجة مرضية لنا ونحن نشجعهم على الاستمرار.

ولكننا لا ندري أننا كثيرًا ما يكون تشجيعنا هذا ضارًّا لطلّابنا وأبنائنا دون أن ندري؛ فنحن، في كثير من الأحيان، نمدحهم مدحًا هدّامًا!

المدح الهدّام

هل يمكن أن يكون المدح هدّامًا؟ وكيف ذلك؟ هذا ما سنجيب عليه مستعينين بأبحاث أستاذ علم النفس في جامعة ستانفورد، وصاحبة كتاب العقلية كارول دويك.

وضّحت لنا كارول دويك في كتابها، بعدما شرحت لنا في فصوله الأولى أبرز مظاهر عقلية النمو وعقلية الجمود، أننا يمكننا أن نزرع نوعًا من هاتين العقليتين في أطفالنا وطلابنا بطريقتنا في مدحهم أو انتقادهم.

ولنأخذ أولًا نماذج من أساليب المدح، ثمّ نعلّق عليها.

”يا لك من ذكيّ. لقد أحرزت الدرجة النهائية.“
”إنّ ابني عبقريّ. ما أجمل لوحاته. سيصبح بيكاسّو هذا العصر.“
”هذا الفتى سريع البديهة. يفهم دروسه دون معاناة.“

لاحظ أنّ كلّ هذه التعليقات التي تبدو بديهيّة ومشجّعة ومحفّزة للطالب أو الابن هي في الحقيقة تحمل رسائل مخفيّة قد تكون مدمّرة له في المستقبل. مثل:
”إذا لم تحرز الدرجة النهائية، فأنت غبيّ.“
”إذا رسمتَ لوحة سيّئة، فلن يكون لك مستقبل في هذا المجال.“
”إذا لم تفهم المعلومات من المرة الأولى، فأنت غبيّ ولن تفهمها أبدًا.“

كلّ هذه الرسائل تنمّي لدى المتلقّي عقلية الجمود، ليس فقط في المراحل الأولى من حياتنا، ولكن حتّى مع الكبار.

لاحظ أيضًا أنّ كلّ هذه التعليقات هي تعليقات على ”الشخصيّة“ وليس ”الجهد“ أو التصرفات التي أدّت لهذه النتيجة. مما يتضمّن الإشارة إلى أنّ المواهب والقدرات أمر ”موروث“ لا يمكن اكتسابه. وأنت تمتلكها أو لا تمتلكها.

وحين يبني الشخص ثقته في نفسه على مواهبه وقدراته الفذّة (بسبب هذا المدح الهدّام) فلا عجب حين يفقد ثقته في نفسه مع أوّل محاولة فاشلة له، أو تعليق سلبيّ على عمل جديد قام به، فيقول لنفسه: ”يبدو أنني لست ذكيًا كما كنت أظنّ“ أو ”يبدو أنني لست بيكاسّو هذا العصر.“

المدح البنّاء

إذن، كيف نعطيه رسائل مدح مشجّعة وبنّاءة في الوقت ذاته؟

امدح المجهود وطريقة الوصول، ولا تعلّق على ”شخصيته“. فتقول مثلًا

”رائع. لا بدّ أنّك بذلت الكثير من الجهد حتى تصل لهذه النتيجة.“
”ما أجمل الرسم وتناسق الألوان في هذه اللوحة. مجهودٌ واضح يا بنيّ.“

وهكذا تمدح وتقدّر الجهد المبذول، لا الشخص في ذاته.

النقد

وليس المدح فقط ما يسري عليه هذا القانون، بل النقد أيضًا. فكثيرًا ما نسمع أو حتى نقوم نحن أنفسنا بنقد الآخرين بأقوال مثل:

”ما هذا؟! أترسب في امتحاناتك أيّها الفاشل؟“
”يا لك من غبيّ. كيف فكّرت أن هذه الطريقة ممكن أن تنجح.“

هذه الملاحظات النقدية الهدّامة وغيرها تصف الشخص نفسه بالغباء أو الفشل، بدلًا من أن تصف أسلوب الحلّ بأنّه خاطئ أو أنه يمكنه النجاح في المرة القادمة إذا تعلّم الدرس وغيّر طريقته. وإذا أردنا النقد البناء ينبغي أن نقول مثلًا:

”لم تستطع اجتياز الامتحان هذه المرّة. إذن عليك بذل جهد أكبر في المرات القادمة.“
”لقد أثبتت هذه الطريقة عدم جدواها. لنفكّر معًا في طريق آخر لحلّ هذه المشكلة.“

وهكذا أنت تنتقد الطريقة والتصرف لا الشخص نفسه. فلا تفقده ثقته في نفسه. وتنمّي فيه عقلية النمو. 

لنكن بنّائين في نقدنا ومدحنا. حتى مع أنفسنا.