حياة أكثر

مشكلة التفكير الإيجابي

كيف تحقق الاتزان العاطفي؟

”كن إيجابيًا“، ”انظر إلى الجانب المشرق“، ”لا تحزن“ .. وغيرها من الكلمات التي تنصحنا دائمًا بـ التفكير الإيجابي وتتردد على مسامعنا بشكل يوميّ وكأنّها من البديهيّات التي علينا التسليم بها وإليها دون تفكير.

والسبب، إذا حاولت أن تفكّر، واضح جدًا! الخوف والحزن والغضب والهَمّ، كلها مشاعر ”سلبيّة“ وآثارها قد تكون مدمرة على حياتك. ولكن هل هذا صحيح؟ هل هذه المشاعر ”سلبية“ حقًا؟

التفكير الإيجابي لا يجوز في جميع الأحوال

 

  • ماذا لو فقدت شخصًا تحبّه؟ هل عليك أن تكون سعيدًا وأن تنظر بإيجابيّة إلى الموقف؟
  • ماذا لو رأت الشركة التي تعمل بها أن عليها تقليل العمالة، فقامت بفصلك من العمل أنت وآخرين من زملائك؟
  • ماذا لو أصابك مرضٌ، أو تعرّضت لحادث سير؟

نحن لا نشكّ أنّ في كل محنة منحة، وأنّ كلّ واحد من هذه المواقف قد يتحوّل في المستقبل إلى نقطة تحوّل كانت سببًا في تغيير حياتك للأفضل. هذا النوع من التفكير الإيجابي صحيح، ولكن ماذا عن الحاضر؟ الآن، في عزّ الأزمة، لن تكون إنسانًا إن لم تشعر بالحزن، أو الخوف، أو الغضب.. أو غيرها من المشاعر التي نسمّيها ”سلبية“.

قانون الحياد

 

المشاعر والعواطف أيضًا خاضعة للقانون الذي تخضع له كل الأشياء، قانون الحياد. عاطفة الفرح وعاطفة الحزن كلاهما عاطفتان محايدتان، ليست واحدة منهم سلبية أو إيجابية. هي فقط عاطفة موجودة يشعر بها أي إنسان. ولكن إحداهما ممتعة، والأخرى مؤلمة، ولأننا نحب المتعة ونكره الألم، صنّفناهما إلى إيجابية وسلبية، معتبرين، بغير تمحيص، أن كل ما يسبب المتعة بالضرورة إيجابي، وكل ما يسبب الألم بالضرورة سلبي. وأن علينا أن نحاول الاقتراب دائمًا من التفكير الإيجابي والشعور الإيجابي، والابتعاد دائمًا عن التفكير السلبي والشعور السلبي.

ومن هذا التصنيف للعواطف والمشاعر التي نمر بها، وجدت مشكلة لا يكاد أحد يخلو منها.

مشكلة تصنيف العواطف والمشاعر

 

لا شكّ عندنا أنّ كثيرًا جدًا من قرّاء هذا المقال (ونحن أيضًا) نعاني من عاطفة خفيّة تتسلل إلينا بين الحين والحين بنسب متفاوتة. ربما نشعر بالخوف من فكرة جديدة نحاول تطبيقها، أو تحوّل قريب في حياتنا لا نعرف نتائجه بعد، وربّما نشعر بالغضب بسبب ذكريات مؤلمة أو مواقف سيئة تعرضنا لها سابقًا، أو غيرها من العواطف التي قد تؤثر سلبًا علينا إذا ما خرجت فجأة من مخبأها الذي ترقد فيه بسلام. (وسوف نرى إن كانت ترقد بسلام حقًا في هذا المخبأ!)

هذه العواطف مختبأة لأننا لم نعبّر عنها بشكل كامل في وقتها، ولم نسمح لها بالظهور علنًا. نحن نقاومها، ونحاول كبتها، ونسعى جاهدين لإخفائها تمامًا، ليس فقط عمّن حولنا، ولكن عن أنفسنا أيضًا. نحن نخشى التعامل معها أو نشعر أنها عواطف ”سيئة“ غير جديرة بأن ننتبه إليها، فما بالك بأن نُقدّرها. مما يؤدّي إلى تراكم هذه العواطف مع الوقت، وربما ظهورها المفاجئ في أوقات غير مناسبة، أو مطاردتها لنا بشكل خفيّ في الخلفيّة، حين نشعر أننا في حالة ملل، أو حالة من اللامبالاة لا ندري سببها. ولا شكّ أننا نشعر بتعاسة وضجر وضيق صدر حين تأتينا هذه الحالات.

المفتاح هو التعبير المناسب في الوقت المناسب

 

وإذا فهمنا هذا، تبيّن لنا أن المفتاح هو التعبير عن المشاعر بشكل مناسب في وقتها، وأننا إذا استطعنا القيام بذلك، فستختفي هذه المشكلة تمامًا، ما يجعلنا أكثر اتزانًا من الناحية العاطفية في حياتنا اليومية، وكذلك أكثر تركيزًا وأقدرَ على تحقيق النتائج المرجوّة.

وفي هذا الإطار، أشارت نيكول جرافاجنا، صاحبة كتاب MindSET Your Manners، في إحدى إجاباتها على موقع Quora أن السبيل إلى الاستقرار العاطفي هو تخصيص الوقت الكافي للانغماس في العواطف التي نمرّ بها بشكل كامل، والاجتهاد في اختبار هذه العاطفة قدر المستطاع حتى لا يتبقّى منها ما يختبئ في داخلنا، وسأخبرك بالتفصيل ما عليك فعله. ولكن أولًا، دعنا نستعين بحوارنا مع أحمد نجيب، مؤسس المصنع.

في حوارنا معه، أشار أحمد إلى أنّه إذا شعر بخيبة أمل أو حزن كبير، يقرّر أن يدع هذه العاطفة تتغلغل في داخله لمدّة يوم واحد. بعد هذا اليوم يعود كما كان وينطلق من جديد في حياته. ولكن لمدة يوم، يمكن لهذه العاطفة أن تستحوذ عليه، وأن يفكّر فيها كثيرًا، وأن تتوقّف حياته تمامًا في هذا اليوم. فقط في هذا اليوم.

 كيف تتعامل مع العاطفة المؤقتة؟

 

هذا هو ما تنصح به نيكول تمامًا. ولكن ربّما يكون يوم كامل وقتًا طويلًا جدًا لا يمكنك أن تتخلى عن حياتك فيه. ولهذا تنصح نيكول بأن تأخذ ١٥ دقيقة من الراحة والعزلة التامّة كلما خطرت لك عاطفة حزن، أو خوف، أو غضب أو ما شابه. في هذه الدقائق ستفكّر في كلّ الأمور السيئة التي تزعجك، وستسمح لهذه العاطفة بأن تتسلل من داخلك إلى الخارج، معبّرة عن نفسها فقط في خيالك.

لن تقوم بتكسير الأشياء، ولا الصراخ، ولا إيذاء نفسك أو الآخرين. فقط ستشعر بما تشعر به بتركيز كامل. وبعدما تنتهي هذه الحالة تمامًا وتشعر أنّك خالٍ من هذا الشعور تمامًا، ستعود لممارسة حياتك.

بهذه الطريقة، لن تكون هناك مشاعر مكبوتة داخلك تبحث عن متنفّس لها وأنت تمارس مهام حياتك المختلفة. ستكون ”نظيفًا“ عاطفيًا. وستصبح أكثر استقرارًا، وأكثر انتباهًا لعواطفك المستقبلية. ما يزيد من ذكائك العاطفي بلا شكّ.

عقل كالماء

 

للماء خاصية فريدة، وهو أنه يتفاعل مع ما يطرأ عليه تمامًا كما يجب، لا أكثر ولا أقل. اقذف حصاة في الماء وستجد أنه يتفاعل بقدر حصاة. اقذف حجرًا ضخمًا وسيتفاعل بقدر حجر ضخم. بعد ممارستك لهذا التمرين وتفريغ كلّ المشاعر والعواطف المكبوتة داخلك، سيصبح عقلك كالماء؛ يتفاعل مع المشاعر الجديدة التي تطرأ عليه بقدْرها، لا أكثر ولا أقل. وهذه الحالة من الصفاء والتفاعل المناسب هي ما علينا جميعًا أن نسعى إليه.