حياة أكثر

اكتب أهدافك، ولا تخبر أحدًا عنها

إلى وقت قريب، كانت تنتشر في مجتمعاتنا ثقافة كتمان الأسرار خوفًا من الحسد و ربما حفاظًا على الخصوصية والابتعاد عن أنظار الآخرين. تغيّر الأمر قليلًا بعد اقتحام وسائل التواصل الاجتماعي حياتنا اليومية. و لكن على أيّ حال، فالأمر يختلف قليلًا حين نتحدث عن الأهداف.

في عام 2009 قام مجموعة من الباحثين من جامعة نيويورك بإجراء تجربة على أربع مجموعات من أشخاص مختلفين. كانت التجربة تقضي بأن يقوم كل شخص من المجموعة بتحديد هدف معين، بعدها يقوم الجميع بالعمل على تحقيق أهدافهم الخاصة لمدة 45 دقيقة. لكن قبل ذلك يتم تقسيم المجموعة إلى فريقين: الفريق الأول يقوم أفراده بإخبار الآخرين عن أهدافهم، بينما يحتفظ أفراد الفريق الثاني بأهدافهم لأنفسهم.

بعد تكرار التجربة على المجموعات الأربعة، وجد الباحثون أنه دائمًا ما يستمر أفراد الفريق الذين احتفظوا بأهدافهم لأنفسهم بالعمل على تلك الأهداف طوال المدة كاملة. وعند سؤالهم عن مدى تقدمهم في سبيل تحقيق تلك الأهداف أجابوا بواقعية و ذكروا أنه لا يزال أمامهم الكثير من العمل.

على الجانب الآخر، متوسّط المدة التي قضاها أفراد الفريق الآخر في العمل على أهدافهم لم تتجاوز تقريبا 33 دقيقة. وعند سؤالهم عن تقدمهم أجابوا بثقة أنهم قريبين جدًا من تحقيق الهدف، حتى لو لم يكن ذلك واقع الأمر.

الفجوة بين السّلوك و النّوايا

ربما كنت تعتقد أن إعلان أهدافك للآخرين يزيد من احتمالية تحقيقك لتلك الأهداف. ذلك أنّه عندما تخبر صديقك بهدفك فإنه سيبرّح رأسك آلاماً في كل مرة يلقاك فيها بسؤاله عن مدى تقدّمك لإنجاز ذلك الهدف المنشود ولن تجد فرصة للتخلص من ذلك الإزعاج إلا بتحقيق الهدف فعلًا. حسنًا ربما يجب أن تواجه نفسك بالحقيقة يا صديقي، أنت نفسك ربما لا تذكر متى كانت آخر مرة أخبرك صديقك المقرب عن نيّته لتحقيق شيء ما.

في الحقيقة لكل منّا مشاغله و حياته الخاصة، و تحمّل مسؤولية متابعة أهداف الآخرين ربما لا يكون خيارًا متاحًا للكثيرين. ما تفعله في الحقيقة عندما تخبر أحدًا آخر عن هدفك هو أنك تعزز واقعك الاجتماعي. أي أنك عندما تخبر الآخرين عن نيتك لإتمام دورة تطوير مواقع الويب، فأنت تعلم أنك في نظرهم أصبحت خبير تكنولوجيا المعلومات و الشبكات و إطلاق الأقمار الصناعية و ربما إدوارد سنودن القادم. و ستسقبل من الآن طلبات تنزيل نسخة الويندوز الأخيرة على أجهزتهم.

تعزيز واقعك الاجتماعي يزيد الفجوة بين نيتك الحقيقية و سلوكك الفعلي. لأنّك بالفعل بدأت تشعر بنشوة الإنجاز بمجرد إعلان هدفك نتيجة لنظرة الإعجاب التي يرمقك بها الآخرون. رغم كونك لم تبدأ حتى باتخاذ أول خطوة في سبيل تحقيق الهدف. مما يعني أن تتمنى لهدفك أن يرقد في سلام.

ماذا إن وجدتُ شخصًا يهمّه أن أحقق هدفي؟

في فيلم “إكس لارج” حين قرر البطل البدين بكل جدّية أن يتخلص من كتلته الزائدة، قام بالتوجه لصديق قديم يحمل له الضغائن، فهو يعلم جيدًا أن هذا الشخص سيستمتع بحرمانه من الطعام و إلزامه بأنظمة إنقاص الوزن القاسية و مشاهدة معاناته.

بالتأكيد إن وجدت من لديه الدافع لحثّك على تحقيق هدفك، يجدر بك أن تستعين به على مشاق ذلك الطريق دون تردد. ولكن بالتأكيد أيضًا أني لا أقصد أن تجد من يستمتع برؤيتك تعاني.. أعتقد أنك تفهم ما أقصد.

ماذا عن كتابة الهدف؟

كثيرًا ما تسمع عن أبحاث توصلت إلى أن كتابة أهدافك تزيد من نسبة نجاحك في تحقيقها. أنا أيضًا مثلك تمامًا أسمع عن تلك الأبحاث. ولكي أكون صريحًا، فأنا لم أشغل نفسي بالبحث عن حقيقتها. ولكن إليك ما أعرفه عن تجربة: كتابة الهدف في مكان واضح و إضافة خطوات عملك عليه و تقدمك في تحقيقه أولًا بأول سيجعلك دائما تتذكّره. مما ربما يزيد من فرصة عودتك للعمل عليه من وقت لآخر. أمّا الاعتماد على ذاكرتك فقط فصدقني ليس قرارًا موفقًا.

في النهاية دعني أختتم بكلمات “ديريك سايفرز” في حديثه على منصة TED الشهيرة:

“قاوم رغبتك الملحّة في الحديث عن هدفك، أخّر الإحساس بنشوة الانتصار النّاتجة عن ذلك، و تفهّم أن عقلك لا يميّز بين الحديث عن هدفك والعمل عليه”.