حياة أكثر

عند اتخاذ القرار فكر في أكثر من بديل

 

في عملية اتخاذ القرار نمرّ بأربع مراحل:

١- تحديد إطار التفكير.

٢- جمع المعلومات.

٣- الوصول إلى استنتاجات.

٤- التعلّم من الأخطاء.

في هذا المقال سنناقش المرحلة الأولى من مراحل اتخاذ القرار وما تحتويه من مشكلة وسنحاول معًا الوصول لحلول لهذه المشكلة.

تحديد إطار التفكير

تحديد إطار التفكير أمر أشبه باختيار الشبّاك الذي ستنظر منه إلى العالم. أو شبيه بكشّاف ضوئيّ في غرفة مظلمة. ترى في ضوئه بعض الغرفة، ولكنّك لا تراها كلها؛ أي أنّ هذا الإطار يحدّد مجال رؤيتك. وهذا المجال المحدود يمنعك من ملاحظة أي شئ خارجه. وبالتالي نقوم باختيار قد لا يكون الأمثل.

وهذه المرحلة قليلًا ما ينتبه إليها أصحاب القرارات، وغالبًا ما نقوم بها متعجّلين وبغير وعي.

مثال

في الستّينيات من القرن الماضي، كانت شركة كوكاكولا هي المتصدّرة في قائمة المبيعات على نظيرتها بيبسي. سبب تقدّم كوكاكولا في ذلك الوقت هو التصميم الرائع للزجاجة الذي أحبّه النّاس كثيرًا. لم يكن لدى بيبسي فرصة في الفوز إذا لم تجد حلًّا لمحاربة هذه الزجاجة.

قامت بيبسي بتصميم زجاجة جديدة، ولكنّها لم تجد من الناس قبولًا كافيًا، وظلّت المشكلة قائمة. (جون سكولي) نائب رئيس الشركة لشئون التسويق في ذلك الوقت أدرك أنّ هذه الأزمة لن تمرّ ما لم يجدوا طريقة مبتكرة تضعف قيمة زجاجة كوكاكولا. أي أنّه بدلًا من أن يفكّر في محاربتها بتصميم جديد، فكّر في اختراع شئ جديد تمامًا، لا علاقة له بتصميم الزجاجة، يكسبه ميزة ليست لدى كوكاكولا.

ولكن سرعان ما أدرك أنّهم لا يملكون المعلومات الكافية عن الزبائن ولا عن أسباب شرائهم للمشروبات الغازيّة، فبدأ دراسةً على ٣٥٠ أسرة. سمحت الشركة لهذه الأسر أن تشتري البيبسي بأسعار مخفّضة. ثم بدأت هذه الأسر بشراء كمّيّات كبيرة من البيبسي نظرًا للسعر الجديد المخفّض. واكتشف (سكولي) وفريقه شيئًا خطيرًا نعرفه الآن جميعًا ولكنّه لم يكن معروفًا في ذلك الوقت. إنّ الجمهور يستطيع استهلاك كلّ الكمّية التي تقنعه بشرائها. لا حدود لقدرة الناس على الاستهلاك. أعطه المزيد، وسيستهلك المزيد.

إذن، لنجعل هدفنا أن نسهّل على النّاس شراء المزيد من البيبسي، هكذا فكّر (سكولي) وفريقه، فقاموا بإنتاج العبوّات التي تحتوي على أكثر من زجاجة. هذا الاختراع تسبب في نموّ سريع لمبيعات بيبسي.

الشّاهد من القصّة هو كيف أنّ صاحب القرار لم يرَ الحلّ إلّا بعد أن عاد خطوة للوراء وحاول أن يقيّم الإطار الذي ينظر من خلاله إلى الأزمة. هل هي بالفعل أزمة زجاجة؟ هل علينا أن نحاول اختراع زجاجة مثلها؟ أو نقلّدها؟ أم أنّ للأمر مقياس آخر لا نراه الآن من خلال هذا الإطار.

تحديد إطار التفكير قد يكون العامل الأكبر في نجاح عمليّة اتخاذ القرار. 

اتخاذ القرار الناجح

ولكن ماذا نقصد بنجاح عمليّة اتخاذ القرار؟ هل نعني بهذا أنّ النتيجة تكون مرضية؟ بالتأكيد لا.

تخيّل أنّ لدينا عملة نقدية معدنيّة. ولكن هذه العملة منحازة نحو ظهور الصورة؛ أي أنّك إذا قمت بإلقائها في الهواء والتقاطها ستظهر لك الصورة باحتماليّة ٦٠٪، وستظهر لك الكتابة باحتماليّة ٤٠٪. على أيّ منهما ستراهن؟ لا بدّ أنّك ستختار الصورة. وإذا ظهرت الكتابة هذا لا يعني أنّ قرارك كان خاطئًا.

إذن القرارات الحاسمة لا تُقيَّم بالنتائج المترتّبة عليها. ولكن تقيّم بصحّة عمليّة اتخاذ القرار. 

والمرحلة الأولى في صحّة هذه العمليّة، هي أن تقيّم الإطار الذي تنظر من خلاله.

كيف أعرف أنّ الإطار يحتاج إلى مراجعة؟

في الغالب نحن لا نكون مدركين لإطار تفكيرنا أصلًا. وهذا ما يجعلنا بحاجة لمنبّه ينبّهنا عندما يجب علينا أخذ خطوة للخلف ومراجعة الإطار. هذا المنبّه هو ”إمّا“ .. ”أو“.

إذا وجدت نفسك واقعًا في الاختيار بين بديلَين فقط؛ إما أن أفعل كذا أو كذا. فاحذر، أنت في إطار ضيّق.

إذا وجدت نفسك واقعًا في الاختيار بين بديل واحد وعدمه؛ إما أن أفعل كذا أو لا أفعل. فاحذر، أنت في إطار ضيّق.

لماذا نقع في خطأ الإطار الضيّق؟

لأن العقل يحبّ الكسل. ما أن يجد اختيارًا متاحًا لحلّ مشكلته حتّى يسارع له. ولا يريد أن يفكّر في شئ آخر.

مثال: التلفاز الذي أملكه قديم. أريد أن أشتري تلفازًا جديدًا حتّى أتمكّن من مشاهدة البرامج بجودة فائقة. إمّا أشتري تلفازًا جديدًا، أو أصبر. أنا متردّد.

المشكلة: إطار ضيّق. أنا أفكّر في بديل واحد فقط.

نظرية الحلّ: علينا إيجاد بدائل أخرى للتأكّد من أنّ هذا القرار هو الأفضل.

التطبيق:

١- تكلفة الفرصة Opportunity Cost.

فكّر في البدائل التي يمكنك شراؤها بنفس القيمة المالية. (أو بنفس المجهود والوقت)

٢- اختبار استحالة الاختيار.

اعتبر أنّ شراء التلفاز أصبح أمرًا مستحيلًا. لا يمكنك شراؤه حتّى لو كنت ترغب في ذلك. ماذا ستفعل بالمال؟

٣- اجمع بين الاختيارين.

 إن كنت محتارًا بين شراء تلفاز أو شراء جهاز آخر يساعدك على القيام بالتمارين الرياضيّة، هل يمكنك أن تجد حلًّا يجمع بين الاثنين؟ أن تختار جهازًا أرخص قليلًا مثلًا أو أن تشتري التلفاز وتذهب إلى النادي الذي تتوفّر فيه الأجهزة بالمجّان أو بسعر رمزيّ بدلًا من التمرّن في المنزل؟

٤- استشر الآخرين الذين مرّوا بنفس مشكلتك. 

هذه الطرق تساعدك على وضع أكثر من بديل على طاولة القرار. يمكنك دائمًا أن تختار أيّ شئ تريد، ولكن تأكّد أنّك قد قيّمت الأمر جيّدًا.