حياة أكثر

توقع الفوز تجده – قوة العقل الباطن

الكثيرون يؤمنون فقط بما يرونه. أي أنّهم لا يعتبرون الشئ موجودًا إن لم يستطيعوا التعامل معه من خلال حواسّهم الخمس. والحواسّ الخمس مركزها هو العقل الواعي. ولكن المبدأ الأهم الذي علينا أن ننتبه إليه هو أن ما نراه هو ما نجده في الواقع. وهذه هي قوة العقل الباطن التي علينا أن نفهمها. يقول الرافعي: ”وإنّما وجهُ الإنسان في قُطوبه أو تَهلُّلهِ هو وجهُهُ ووجهُ دنياه تَعبس أو تبتسم.“ وهي مقولة بديعة توضّح لك أنك حين تستبشر خيرًا تجد الخير، وحين تتوقّع المصائب تأتيك المصائب.

العقل الباطن لا يميّز بين الخير والشّرّ

ستقول لي ولكنّي توقّعت خيرًا ولم يأتِ بعد. وهنا علينا أن ننتبه إلى الفرق بين العقل الواعي والعقل الباطن. عقلنا الواعي هو العقل المفكّر، أمّا العقل الباطن (اللاواعي) لا يفكّر ولا يميّز بين الخبيث والطيّب. بالنسبة إلى العقل الباطن، كل الأفكار لها نفس الأهمية ومطلوبة بنفس الدرجة. فيتعامل مع الأفكار السلبية بنفس الترحاب الذي يعامل به الأفكار الإيجابية. أي أن قوة العقل الباطن متساوية في حالات الأفكار التي ترغب في تحققها أو الأفكار التي تكره أن تتحقق.

نقول أنّك حتى تتوقّع شيئًا ما بصدق، على الفكرة أن تدخل إلى عقلك الباطن. وهذا سبب الوهم الذي نتصوّره أحيانًا أننا توقّعنا الخبر السّارّ ولم نجد شيئًا. فنحن في الحقيقة واقعون في أحد أمرَين:

١- إمّا أنّ الفكرة سطحيّة لم تتغلغل في عقلنا الباطن بعد. وبالتالي نحن نخادع أنفسنا حين نقول أنّ هذا توقّعًا، وما هو إلّا وهم.

٢- أو أنّنا نستعجل حصول الخبر. لكلّ نتيجة فترة زمنيّة حتميّة لا بدّ من انقضائها أولًا قبل أن نحصل عليها. وهذه النتيجة محكومة بقانون النّوع، والذي أشرنا إليه سابقًا في مقالنا عن قوانين الكون.

لا أحد يعرف بالتحديد مقدار هذه الفترة، ولكنّنا نعلم جيّدًا أن النتيجة ممكنة بعد فترةٍ ما. لذلك لا يجب علينا أن نيأس أو نشعر بالإحباط إن لم نجد النتيجة المرجوّة في الوقت الذي حدّدناه. وما علينا إلا الاستمرار في توقّع هذه النتيجة والعمل لها حتى تتم.

أما النوع الأول، أن تكون الفكرة سطحيّة، فهو الأغلب والأكثر شيوعًا. فالمتشائمون عادةً ما يتعاملون مع الحياة مثل الأستاذ مع تلميذه البليد؛ يسأله السؤال ولا ينتظر منه جوابًا شافيًا لعِلمه ويقينه من فشل هذا التلميذ وبلادته! فإن كان هذا حالك، فلا تنتظر من الحياة إلّا أن تعطيك ما تتوقّع منها حقًا، وهو عدم الحصول على النتيجة المبتغاة.

كيف تعرف توقّعاتك الحقيقيّة؟

إذن كيف تضمن أنّك حقًا تتوقّع تحقيق هذه النتيجة وأنّك لا تخدع نفسك بفكرة سطحيّة؟ الإجابة هي عملُك. لا يمكنك أن ”تعي“ الأفكار الموجودة في العقل الباطن، هو كالصندوق المغلق الذي لا تملك مفتاحه. ولكن يمكنك أن تحكم على ما في هذا الصندوق من خلال المؤشرات الخارجية التي ستدلك على ما فيه، وهي أعمالك.

هل أنت تسعى حقًا نحو هذه النتيجة المرجوّة؟ هل تبذل الجهد الكافي وتفكّر كثيرًا في تحقيقها؟ هل أنت على استعداد نفسيّ لها؟ (أي هل تعرف ما هي الخطوات التي ستقوم بها بمجرّد تحقيق هذه النتيجة؟)

مثال

ولأنّنا نفهم الشئ بشكل أفضل حين نفهم ضِدَّه، فدعنا نتأمّل شابًّا يعمل في مجال المبيعات في شركة كبيرة لها حصّة سوقيّة واسعة. يتمتّع رجال المبيعات ببعض الحريّة في جدول أعمالهم. ليس له وقتًا محددًا يكون فيه في المكتب ولا أيّام مطلوب منه أن يعمل فيها. كلّ ما هنالك أنّ له هدفًا سنويًا أو شهريًا عليه أن يجتازه. وبسبب تلك ”الذّاتيّة“ في العمل اتخذنا مجال المبيعات مثالًا.

هذا الشابّ كسول لا يبذل الجهد المطلوب منه لتحقيق هدفه السنوي ويعاني من التسويف بسبب خوفه من الفشل فيؤخّر عمل اليوم إلى الغد وعمل الأسبوع إلى الشهر القادم. ماذا تتوقّع ستكون نتيجته في نهاية العام؟ بالتأكيد لا تظنّ أنّه سيكون أفضل رجل مبيعات لهذا العام. ولكن السؤال هو، ماذا تظنّ أنّه هو يتوقّع من نفسه هذا العام؟ هل يعقل أن يتوقّع أن يحصل على نتيجة مرضية بهذا الأداء السيء؟

لا بدّ أنّ عمله يشير إلى توقّعاته لنتيجة مبيعاته هذا العام. وهذا بالضبط ما يمكن تطبيقه على زميله الذي سيحصل على مكافأة ”أفضل رجل مبيعات“ في نفس العام. زميلُه هذا يعمل بشكلٍ يوميّ ويبذل جهدًا كبيرًا في تحسين طريقة عرضه لمنتجه ويستثمر وقته في قراءة الكتب التي تؤهله أن يكون أفضل في عمله وأكثر تميّزًا. هل تظنّ أنّه يتوقّع الخسارة أم الفوز؟

لذلك إذا أردت أن تعرف حقًا ماذا تتوقّع وأن تحاول رؤية ما بداخل الصندوق المغلق لعقلك الباطن، انظر إلى عملك من بعيد، وفكّر هل هذا عمل من يتوقّع الفوز أم من يتوقّع الفشل.

خطوات عمليّة لتوقّع الفوز واستغلال قوة العقل الباطن

إذا رأيت أنّك تحتاج إلى تطوير عقليّتك لتتوقّع الفوز، عليك باتّباع الخطوات التالية:

١- حدّد النتيجة التي ترغب بتحقيقها. (أن تصل مبيعاتك إلى ”س“ في الأسبوع)
٢- اكتبها في صيغة المضارع وكأنّك قد حقّقتها بالفعل. (أنا سعيد وممتنٌّ الآن لأنّي أقوم بتوزيع ”س“ من المنتج الذي تقدمه شركتنا في كلّ أسبوع)
٣- أعد كتابتها كلّ يوم لمدّة ثلاثة أشهر متتالية. (٩٠ يوم)
٤- قف حارسًا على عقلك وانتبه للأفكار التي تدخله، ولا تسمح لأيّ فكرة سلبيّة أن تؤثر فيك مهما كانت.

بمجرّد أن تبدأ بتوقّع ما تريد بدلًا من توقّع ما لا تريد، ستقوم قوة العقل الباطن بتحويل تركيزك دائمًا في سعيك نحو نتيجة معيّنة إلى ناحية ”كيفية تنفيذ هذه النتيجة“ بدلًا من ”عوائق تنفيذ هذه النتيجة“ التي عادةً ما نبدأ بالتفكير فيها حين نرغب في تحقيق أي نتيجة جديدة.