حياة أكثر

الصدمة – هل تفيدك أم تضرّك؟

أدركت هذا الموضوع منذ ثلاث سنوات تقريبًا عندما كنت ضمن دراسات الحالة في بحثٍ للرائع دكتور شريف عرفة عن موضوع نموّ ما بعد الصدمة .. قبلها بقليل، كنت قد فقدت والدي رحمه الله. أدين بكل العرفان للدكتور شريف عرفة على مناقشتنا ذلك اليوم؛ لأني لم أكن أدرك، إلا عندما تحدثت عن الأمر معه، أنّي أصبحت أكثر نضجًا بعد هذه الصدمة. لم أكن أدرك كل التغيرات التي طرأت على شخصيتي.

أدركت حينها فقط أن بفضل صدمة واحدة، قد تنضج عشرات السنوات.

الصدمة

الصدمة هي كل ما يحدث بعد حدوث ما لم تكن تتوقع حدوثه، وليس فقط الشيء الذي سبب لك الصدمة  (فشل في سنة دراسية، أو رفد من وظيفة، أو خيانة، أو فقدان شخص عزيز … إلخ) الصدمة هي تلك اللحظة التي  يتوقف فيها العالم من حولك تمامًا.

كيف أغير نظرتي للصدمة؟

الصدمة هي نظام تشغيل جديد يتم تحميله في عقلك كي تتغير بفضله رؤيتك وحكمك على الأحداث و الأشخاص. لو استطعت أن تنظر للصدمة على أنها تجربة  تتيح لك التعرف على نفسك وعلى من حولك بشكل أوضح، قد تشعر بامتنان لها حقًا. ربما يبدو هذا الكلام غريبًا عليك الآن، ولكنني سأحاول في هذا المقال أن أقنعك تمامًا بهذه الفكرة.

الصدمة تجربة ستخرج منها إنسانًا جديدًا، إنسنًا أنضج، حتى وإن لم تعرف ذلك وقتها.

ولكي تتخطى صدمتك بسلام عليك أن تعيش كل مرحلة منها كاملة.

أولًا: مرحلة الحزن و البكاء

عليك أن تدرك أنه من حقك أن تأخذ وقتك في التفاعل مع الصدمة. احزن، وابكِ إن شئت. اسمح لنفسك بالتفاعل التامّ. ولكن عليك أن تنهض سريعًا. لا تسمح لها بأن تغيّر مسار حياتك للأسوأ. تذكّر هذا الأمر جيّدًا، فربّما لا تجد من يذكّرك به حينها.

ثانيًا: مرحلة التأقلم 

بعد خروج كل مشاعرك و شعورك بالصدمة ستصل إلى مرحلة التأقلم، أن تدرك أنّ ما حدث أصبح واقعًا وعليك أن تكمل حياتك متأقلمًا معه، وأنّ على الرّغم مما حدث، لا خيار لك غير أن تستمرّ. فاختر أن تستمرّ قويًّا و ليس ضحيةً.

وأكثر ما سيساعدك في هذه الفترة أن تمارس حياتك بشكل طبيعي. اخرج، تفاعل مع الناس، اسعَ لتعلّم أشياء جديدة، لغة أو دراسة مجال معيّن أو تعلّم حرفة. لا تعطِ لنفسك الوقت للتفكير بشكل سلبي. ركز كل طاقاتك على أن تبقي إيجابيًا.

ثالثًا : مرحلة مراقبة الناس وتحليل أفعالهم

استمتع بكل ما يحدث حولك و قم بتسجيله. عوّد نفسك أن تلحظ ردود أفعال من حولك، قد ترى ما يفاجئك. قد تفاجأ بأنّ من كانوا بعيدين عنك أصبحوا أكثر قربًا، ومنهم من ساندك،  وللأسف، قد تكون صدمتك كبيرة في من كانوا قريبين منك واختفوا.

تذكر جيدًا كلّ هؤلاء بمواقفهم لأن من أهم مميزات الصدمة أنها تعطيك الفرصة لـ ”فلترة“ من حولك. حينها ستقرر من يستحق أن يبقى في حياتك ومن يستحق الخروج منها.

بعد الصدمة، أنت إنسانٌ آخر

إذا فكّرنا بإيجابية، سوف نجد أنك مررت بتجربة جديدة أتاحت لك خبرة قوية مصحوبة بمشاعر قوية أيضًا  وقد مررت منها بسلام، لازلتَ حيًا. وقد اكتسبت خبرةً جديدة، وبإماكنك حاليًا أن تتصرف وتحكم على الأشخاص بشكل أفضل.

الصدمة أعطتك بقدر ما أخذت منك. ستدرك هذا بعدما تتخطى صدمتك بنجاح

اشكر الصدمة!

اشكر نفسك لأنك استطعت ان تتخطى صدمتك

اشكر الله لأنه كان لطيفا بك – كان من الممكن أن تكون الصدمة أقوى.

اشكر الناس الذين استحقوا مكانهم في حياتك؛ فهم العَون، ومعرفتهم فوز كبير.

اشكر الناس الذين أزالت الصدمة القناع عنهم؛ فقد علّموك — بفعلهم هذا — ألّا تضيع وقتك معهم.

اشكر الصدمة أنّها صنعت منك إنسانًا جديدًا، إنسانًا أكثر نضجًا وخبرةً.

دورك بعد الصدمة 

قررتُ، بعد تعرّضي للصدمة، أن أشارككم تجربتي وما اكتشفته بفضلها:

أكبر دور لك بعد أن تدرك أنك أصبحت أكثر نضجًا بعد الصدمة أن تحاول مساعدة غيرك على تخطّي الصدمات أيضًا وأن تساعدهم على إدراك أنّ بداخل هذه المحنة، منحة كبيرة. أخبرهم بأن ذلك الوجع سيمر.

وهذا ما رأينا مثالًا له في حوار إسلام أبو علي في الحلقة ٤٨ من البودكاست. فقد أصبح إسلام بعد تعرّضه للصدمة (حادث تسبب في شلل رجلَيه) بطلًا عالميًا في السباحة، واستخرج من نفسه قدرات كانت كامنة بداخله لا يعرف عنها شيئًا. وبعدما اكتشف كلّ هذه القدرات، يقوم الآن بتعليم الآخرين الذين يعانون معاناة مشابهة لما عاناه من قبل. فأصبح سفيرًا للبطولة.

حاول ألا تخيب ظن من حولك فيك، خاصّة في أوقات ضعفهم. كن بجانبهم دائمًا.

الألم وقت الصدمة هو مثل معالجة الحديد بالنار؛ ستتألم، ولكنك ستصبح اقوى. 

من جانبي شاركتك عزيزي القاريْ تجربتي  الشخصية الخاصة جدًا مع الصدمة، وحاولت في هذا المقال مساعدتك على فهم ما قد يحدث لك نتيجة الصدمات. وإذا أردت أن تقرأ الموضوع بشكل علمي، فأنصحك عزيزي القارئ بقراءة كتاب دكتور شريف عرفة كيف تصبح إنسانًا وخصوصًا فصل: نموّ ما بعد الصدمة.

وأدعوك أيضًا أن تستمتع بحوار إسلام أبو علي وقصّته التي لا نسمع مثلها كثيرًا إلا في أفلام الأبطال الخارقين.

أحمدُ الله لمن كان عونًا لي وقت الصدمة، ومن تخلّى عنّي أيضًا؛ فأنا ممتنة لكليهما.