حياة أكثر

خطر الثقة الزائدة في المستقبل

أنت مدير قسم المبيعات في شركة عالمية لعدة سنوات الآن. وقد حققت أرباحًا كبيرة للشركة لعدّة سنوات. ولكن هذه السنة، سجلت الشركة مبيعات أقل من الهدف المحدد بمقدار 10%. وهناك عملاء قد وعدوا موظفيك بالشراء منهم خلال الأسابيع القليلة القادمة. إذا تمت هذه الصفقات بشكل جيّد، ستتحسّن نتيجة السنة الحالية لتحقق الهدف المطلوب وزيادة. سيستمر سجل نجاحاتك بلا انكسار لسنين متوالية. وستحصل على المكافأة المنتظرة. خطرت لك فكرة أن تسجل هذه المبيعات الآن على اعتبار أنّها حدثت بالفعل، وإذا سار كل شئ على ما يرام، لن يلاحظ أحد هذا الخطأ البسيط. ماذا ستفعل؟

حسنًا ..

لنقل أنك قمت بتسجيل المبيعات بالفعل، وصدرت السجلات لتحقق مبيعات ممتازة، تم تحقيق الهدف السنوي، وتمت مكافأتك كما كنت تتوقع. ولكن، تلك الصفقات الواعدة التي كنت تنتظرها لتصلح السجلات، لم تتم بنجاح. في اللحظات الأخيرة، غيّر بعض العملاء رأيهم في الصفقة، ولم يشتروا شيئًا. الآن، أنت في مأزق. إمّا أن تعترف بخطئك لمجلس الإدراة، أو أن تحاول التعويض في مبيعات هذا العام، تحاول تحقيق 110 % حتى تغطي على خسارة العام الماضي. أنت على يقين أنك إن اعترفت بخطأك الآن، لن يقوم مجلس الإدارة بالاستغناء عنك. ولكن ستسحب منك المكافأة، مع بعض التوبيخ، وسيكون عليك أن تتحمّل نظرات الموظفين المهينة. أنت مديرٌ ناجح، ولطالما كان من السهل عليك أن تحقق الهدف. ماذا ستفعل؟

على الأرجح أنك ستختار أن لا تعترف، وستأمل ألا ينتبه أحد إلى هذا الخطأ لحين تعديله بمبيعات أفضل في العام المقبل. أنت واثق من قدرتك وقدرة فريق العمل على تحقيق هذا الهدف. فعلى أية حال، ما احتمالية أن يتكرر خطأ حدث مرة واحدة في بضعة أعوام؟! لا يمكن، أليس كذلك؟

هذا الاعتقاد بالتحديد هو المشكلة التي أود أن ألفت نظرك إليها في هذا المقال. الثقة الزائدة في ما سيحدث في المستقبل. لأسباب غير منطقية، قرر هذا المدير أن يستمر في خداع رؤسائه. ماذا لو حصل ركود اقتصادي في السوق؟ (كما حدث في سوق العقارات في الولايات المتحدة عام 2008). ماذا لو ظهر منافس جديد بسعر أفضل ومميزات أفضل فاستحوذ على بعض عملائك؟ ماذا لو اندلع حريق في أحد المصانع أدى إلى تعطيل خط الإنتاج وبالطبع، إلى كارثة في المبيعات. (كما حدث في مصر منذ أشهر قليلة في شركة موبيكا للأثاث المكتبي)

احتمالات لا حصر لها قد تؤثر على مبيعات الشركة. ولكن هناك ثلاث عوامل رئيسة كانت السبب في هذا القرار الكارثي:

1- “ثقتك الزائدة” بما سيحدث حتمًا في المستقبل (أو ما لن يحدث أبدًا). الحل ببساطة: لا يمكن أن نعرف ما لا نعرف. ما سيحدث في المستقبل هو أمر مجهول تمامًا بالنسبة لنا. فلا تعتمد على تخمينك، أو على الأقل، لا تعتبر تخمينك أمرًا حتميًا لا بد منه. هو مجرد تخمين.

2- أنت ترغب بشدة في ألا تكسر سلسلة النجاحات المتوالية، ترغب بشدة في الحصول على المكافأة السنوية، الأمر الذي شجعك على غض الطرف عن الاحتمالات -الواضحة- التي ستؤدي إلى الفشل. رغبتك العارمة في النجاح أعمت بصرك عن الأسباب التي قد تؤدي إلى فشلك. ما يسميه الباحثون Motivated Blindness.

3- التزامك وولاؤك لقرارك الأول (قرار إخفاء العجز والعبث في السجلات) أدّى بك إلى قرارات أخرى لم تكن لتقوم بها لولا قيامك بالخطوة الأولى. أثبتت دراسات عديدة أننا قد نقوم بأخطاء فادحة فقط للتغطية على خطأ بسيط لم نكن لنجد متاعب كثيرة إذا اعترفنا به. (هذا هو السبب الأكبر الذي يدفع بنا إلى الاستمرار في طريقٍ لا نرغب فيه. فقد بذلنا فيه وقتًا و”حرام” أن يضيع هذا الوقت سدًى)

الدروس المستفادة من هذا المقال:

1- أنت لا تعرف ما لا تعرف.
2- لا تجعل حماسك للقيام بأمر ما يعمي بصرك عن احتمالات الفشل.
3- لا تجعل ولاءك لطريق سلكته يضيع منك فرصة تعديل المسار.