حياة أكثر

الزمن حقيقة أم وهم؟

الماضي والمستقبل. موطنُ الكثيرين منّا طوال حياتنا. نذكرُ أحداثًا وحوادثَ كانت في الماضي، فنأسَى لها أو نفرَح. ونتخيّل الآتيَ فنفزع منه، أو نستبشر به. وقليلًا جدًا ما نعيش في هذه اللحظة الحالية، في الآن.

الماضي يبدو حقيقيًا جدًا، لأنّه حصل بالفعل، عشنا معه. والمستقبل يبدو مبهمًا، لا نعرفُ تفاصيلَه الدقيقة، ولكنّه آت لا محالة، ولا بدّ من الاستعداد له!
الماضي والمستقبل وَهْمان خلقهما عقلُك أيّها الإنسان. في الحقيقة، لا ماضي، ولا مستقبل، فقط “آنٌ” أبديّ. كلُّ ذكريات الماضي حين حدثت، حدثت الآن، وانتهت، ولم يبقى منها سوى ذكريات عقليّة. والمستقبل الذي تتخيّله ليس له وجود، هو فقط أوهام اخترعها عقلك، وحين يأتي المستقبل الذي تنتظره، سيأتي الآن.
تأمّل قليلًا فيما قرأتَ للتوّ.

ولكن ماذا نستفيد من هذا الكلام؟

القلق على المستقبل والأسَى على الماضي يعوقاننا عن الشعور بالنّعَم الحالية التي تغمرُنا. يعوقاننا عن الشعور بالامتنان الحقّ لما نحن فيه في هذه اللحظة. وبالتالي، يعوقاننا عن الوصول لأقصى درجات النموّ، وخاصّةً النموّ الروحيّ، والذي يتطلّب أن تكونَ “حاضرًا” باستمرار.

ولكن، إن كان التفكير وهمًا، لِمَ لا نشعُرُ بذلك؟

ببساطة، لأنّك تفكّر دائمًا بلا انقطاع. التفكير -ونقصد به التفكير في الماضي والمستقبل- أمرٌ أصبح مألوفًا جدًا إليك. فلا تشعر إلّا أنّه أمرٌ طبيعيٌّ لا بدّ منه.

كيف نعرف إن كنّا نعيش في الوهم أم في الحقيقة؟

أولًا: راقب عقلَك. كُن كثير الانتباه إلى أفكارك. هل هي أفكار في الماضي أو المستقبل؟ دائمًا ما ستجد أنّ الإجابة نعم. وهذا يعني أنّك لستَ “حاضرًا”. ولكن بمجرّد أن تنتبه إلى عدم حضورك، تكون حاضرًا. اجعل من هذه المراقبة عادةً مستمرّة. لن تستطيع أن تراقب أفكارك لأوقاتٍ طويلة في البداية، ولكنّك مع الوقت، ستجد أنّك تلاحظ ما تفكّر به باستمرار. وهو بداية الطريق نحو التقدّم الرّوحي.

ثانيًا: راقب ما تشعر بِه. هل أنت سعيدٌ الآن؟ هل تشعر بشئٍ من الضيق؟
شعورُك هو مرآةُ عقلِك الباطن. شعورك بأيّ نوعٍ من الضيق أو عدم الراحة يدلّ على عدم وجودك الكامل في اللحظة الحالية (الآن). لماذا؟ لأنّك الآن ليست لديك أيّ مشكلة. في هذه اللحظة بالذات.

ولكن، انتبه! حين تراقب أفكارك وشعورَك، لا تصدر الأحكام. لا تحاول أن تنتقد نفسَك في أيّ شئ. فقط لاحظ. كُن حاضرًا. واقبل كلّ ما تلاحظه.

ما مشكلتك الآن؟

ستجيبُ بشئٍ حدثَ في الماضي، أو بخوفٍ من المستقبل. لكن في هذه اللحظة، لا مشكلة لديك -ولله الحمد.

قد تتساءل: ولكن، ماذا لو كنتُ الآن في موقفٍ ما لا أحبّه ولا أريده؟
أمامك ثلاثة حلول:
1- أن تنسحب من الموقف فورًا.
2- أن تغيّر الموقف لشئٍ ترضاه.
3- أن تقبله كما هو بكلّ قلبك.

إن لم يكن بإمكانك تغييره أو الانسحاب، يكون من الجنون ألّا تقبله. فأنت بهذا لا تجني سوَى أن تعذّبَ نفسَك!
أيًا كان العمل الذي تعمله الآن، اعمله بكلّ قلبك. أعطه 100% من اهتمامك وتركيزك. اقبل الواقع الحالي كما هو. تعِش بسلام.

أهم النقاط بإيجاز:

– الزمن وهم اخترعه عقلُك.
– عدم الرضى يدلّ على عدم حضورك الكامل.
– انتباهك لعدم حضورك، يشير إلى حضورك.
– إن لم تستطع تغيير الموقف الذي تواجهه الآن، ولا الانسحاب منه، لا بدّ أن تقبله. أيّ اختيار آخر هو جنون.
– التأمّل يساعدك على الانتباه للآن.

والآن: إلى الخطوة الثانية: كيف تستطيع أن تراقب أفكارك وشعورك؟