حياة أكثر

القارئ المحترف – ٧ نصائح لتعظّم فائدتك من القراءة

دروس من حوارنا مع نادية واصف

قدرتك على القراءة بشكل سليم، واستيعابك للكلمات والجمل التي تراها أمامك الآن، لا يعنيان بالضرورة أنك قارئ جيد. فالقراءة نشاط تفاعلي، يتخطى مجرد الفهم البسيط للعبارات المكتوبة، بل يذهب أبعد من ذلك إلى تعلم أفكار جديدة تضيف إلى حياتك. ولن يأتي هذا التعلم أو ذلك التغيير، إلا إذا كان القارئ يختار بشكل سليم ما يقرأ من كتب، ويتفاعل معها بالشكل المناسب، ويستخلص منها أفكاراً جديدة تسمح لها أن تغير حياته.

من خلال هذا المقال، نقدم لك مجموعة شاملة من النصائح التي تساعدك على الارتقاء بمستواك في القراءة، وتحقيق أقصى استفادة ممكنة مما تقرأ. النصائح لا تقتصر على اختيار الكتب أو التفاعل معها أثناء القراءة، بل تمتد مع القارئ إلى تخصيص الوقت المطلوب للقراءة، وكيفية الاستفادة من الأفكار التي يحتويها الكتاب، إضافة إلى نوع الكتب التي يقرأها.

نصائح السيّدة نادية واصف

الحقيقة أن هذه ليست نصائحنا الشخصية، لكننا تعلمناها من حوارنا مع السيدة “نادية واصف”، إحدى ضيوف حلقات البودكاست الذي نقدمه. ونستضيف من خلاله مجموعة من الشخصيات المؤثرة في مجالات مختلفة، والذين لهم إنجازات متعددة. نهدف من خلال تلك الحوارات إلى التعرف على مشوارهم العملي، وأهم الممارسات والعادات التي تساعدهم على أداء عملهم بكفاءة وتحقيق التقدم المستمر.

“نادية واصف” هي الشريك المؤسس لـ مكتبات “ديوان”، والتي تعد من كبرى المكتبات الخاصة في مصر، ومنارة ثقافية رائدة، تساهم في دعم صناعة الكتب في مصر. ونبدأ الآن عرض نصائحها كما وردت في حوارها معنا:

١- اذهب إلى المكتبة

خصص مساحة من الوقت لزيارة المكتبة بانتظام، ولتكن مرة كل شهر. تجول بين أروقتها بحثاً عما يناسبك من الكتب، والتي تنوي قراءتها ذلك الشهر.

رغم علاقاتها القوية بناشرين وكتاب عديدين – بحكم عملها في إدارة المكتبة – وإطلاعها على إحصائيات لأكثر الكتب مبيعاً، إلا أنها تحرص على الذهاب إلى المكتبة بانتظام لشراء ما يروق لها من الكتب.

التواجد في المكتبة لاختيار الكتب له مزايا عديدة، فيمكنك أن تقلب نظرك بين مجموعة كبيرة من الكتب بتصنيفتها المتنوعة، والتي لن تستطيع إيجادها جنباً إلى جنب في أي مكان آخر. وإذا وقعت عينيك على كتاب ما، أعجبك عنوانه، يمكنك الإمساك به، وتقليب أوراقه، متصفحاً عناوين أبوابه وفصوله. فتكوّن فكرة مبدأية عن الكتاب وموضوعه، إضافة إلى جودة الطبعة وسعرها.

فحرصك على زيارة المكتبة – كما ذكرنا على سبيل المثال مرة كل شهر – سيدفعك إلى تخصيص ميزانية شهرية لشراء الكتب. هذا التعهد المسبق، سيساعدك على الالتزام بقراءة ما تقتنيه من كتب – حتى لا يضيع ما أنفقته من مال – ومن ثم تنمية وتقوية عادة القراءة والتعلم في حياتك.

٢- تعرف على الكتاب قبل القراءة

في الواقع، هذا أحد مستويات القراءة، وتحديداً المستوى الثاني أو ما يطلق عليه “القراءة التفحصية” Inspectional Reading. بالرغم من بساطته إلا أن العديد من القراء – خاصة غير المحترفين – لا يقضون الوقت لتفحص الكتاب. فيختارون الكتاب بناء على عنوانه، تصميم الغلاف أو ربما ترشيح من صديق. ويفاجأون بعد الانتهاء من الفصل الأول أو ربما الصفحات الأولى من الكتاب، أنه غير مناسب لهم، أو لا يناقش الموضوع الذي بدا لهم من قراءة العنوان. هذا بالتحديد ما تساعدك “القراءة التفحصية” على تجنبه.

اقرأ الجزء المكتوب على ظهر الكتاب، إضافة إلى عنوان الكتاب (الرئيسي والثانوي). ثم اتجه بعد ذلك إلى فهرس الكتاب، الذي يضم عناوين الأبواب والفصول. قم أيضاً بتصفح فهرس الأسماء والمصطلحات المذكورة في الكتاب، ولاحظ الأسماء الأكثر استخداماً من قبل الكاتب. ولا تنسى طبعاً، قراءة مقدمتَي الكاتب والناشر.

إذا لم تستطع بعدُ تكوين تصور واضح عن الكتاب، يمكنك المضي إلى قراءة الفقرات الأولى والأخيرة في كل فصل من فصول الكتاب، لأن الكاتب عادة ما يمهد لأفكاره ويجملها في مقدمة وختام كل فصل.

رغم أن هذا قد يبدو كعمل شاق، إلا أنه أبسط من ذلك بكثير. فالهدف من هذا المستوى من القراءة هو التعرف على الكتاب وتكوين فكرة مبدأية حول جدوى قراءته من عدمها في نظرك. فعليك أن تقوم بالخطوات المذكورة سابقاً في مدة زمنية لا تتخطى الربع ساعة – وهذا يعني أن تقرأ بسرعة كبيرة وتضحي بالفهم العميق لكل كلمة – لأن الهدف هنا ليس الفهم العميق، لكن تقرير ما إذا كان  الكتاب يستحق أن تخطو خطوة أخرى نحو قراءته أم لا. وبالطبع لا تتاح لك هذه الفرصة في تفحص الكتب إلا إذا اتبعت النصيحة الأولى.

٣- ضع القراءة على قائمة مهامك اليومية

خصص الوقت اللازم للقراءة بشكل يومي، حتى لو كان نصف ساعة فقط. الأهم هو أن تواظب على القراءة حتى تتحول إلى عادة مستقرة في نفسك.

رغم تمكنها من عادة القراءة ، وشغفها الكبير بالكتب، إلا أنها لازالت تضع للقراءة مكاناً في قائمة مهامها اليومية.

لا يكفي شراء الكتب المميزة، إن كنت لا تقرأها. من السهل أن تنشغل في القيام بمهامك اليومية والأعمال المطلوبة منك، متجاهلاً القراءة على أنها عمل أقل أهمية أو أن لا وقت لديك لها.

بالطبع هذا ليس صحيحاً، ويعكس أيضاً ضعفًا في القدرة على إدارة المهام اليومية. القراءة لا تقل أهمية بأي حال عن بقية مهامك، بل -على العكس – هي أهم. لذلك تجد كبار رجال الأعمال على مستوى العالم (وهذا أيضاً ما لمسناه من خلال حواراتنا مع الضيوف)، حريصين على حجز مساحة من الوقت للقراءة بشكل منتظم، حتى لا تضيع وسط القيام بمهام أخرى.

٤- امتلك الكتاب وتفاعل معه

القراءة نشاط تفاعلي، وفهمك للكتاب ومدى استفادتك منه يعتمدان بصورة كبيرة على تفاعلك مع الكتاب.

التفاعل درجات، أبسطها، أن تضع خط (أو تظلل) الجمل الهامة أو التي تعجبك والتي ترى أنها تجسد أهم الأفكار التى يناقشها الكتاب. وأعلى درجات التفاعل، أن تنتقد الكاتب، وتحلل وجهة نظره، والأسس التي يستند عليها في عرض فكرته، وتقيّم عمله من زوايا مختلفة.

سَل نفسك، ما الذي يحاول الكاتب أن يقوله ؟ وما علاقته بما ذكر في الصفحات السابقة؟ وكيف يطلب مني أن أتصرف بعد ذلك بناء على فهمي لفكرته؟

سجل ملاحظاتك في هوامش صفحات الكتاب، واكتب الأفكار التي تدور برأسك أثناء القراءة. قم بثني الصفحات الهامة، حتى يمكنك العودة إليها بسهولة بعد ذلك. تدوين تلك الأفكار في الكتاب، هو بمثابة التقاط صورة “Selfie” لك مع الكتاب. وستندهش من هذه اللقطات عندما تعود للاطلاع عليها بعد فترة من الوقت.

٥- لا تيأس .. حاول مرة ثانية

إذا لم تنسجم مع الكتاب، اتركه. بالتأكيد ستجد نفسك في هذا الموقف، لكن بنسبة أقل إذا تفحّصت الكتاب قبل قراءته. قد لا يكون الكتاب مناسباً لك في الوقت الحالي. أعده إلى مكتبتك، على أن ترجع لقراءته مرة ثانية بعد فترة من الوقت لعلك تجد فيه أو في نفسك، ما لم تجده في المرة الأولى.

٦- لا تعتمد على مصدر وحيد للمعرفة

إذا وجدت نفسك مهتماً بموضوع الكتاب، فلتبحث عن كتب أخرى تناقش نفس الموضوع. حاول التعرف على الموضوع من خلال وجهات نظر متعددة. ذلك سيساعدك على رؤية الصورة الكبرى واستيعاب الأفكار بشكل أفضل. وقد تجد – بعد قراءة الكتاب الثاني – أن الحجج والمنطق الذي اعتمد عليه الكاتب الأول ضعيف مقارنة بالثاني.

لا يوجد شئ جيد أو سئ في المطلق، ليس إلا بالمقارنة. فكلما قرأت أكثر وتعرفت على الموضوع من زوايا مختلفة، استطعت التمييز بين الجيد والأقل جودة. واستطعت أيضاً أن تبني وجهة نظرك الخاصة التي تمزج بين أفكار هذا الكتاب وذاك.

بالنسبة للكتب العملية، التي تقدم طرق لحل مشكلات معينة، اقرأ أكثر من كتاب حتى تصل إلى الحل المناسب لك. كذلك تفعل “نادية واصف”، فهي تقرأ أكثر من كتاب في الطبخ، وتعد وصفتها الخاصة. والأمر ذاته فيما يتعلق بتربية بناتها وأمور أخرى. هي تطلع على نصائح مختلفة، تأخذ منها ما يناسبها وتمزجها، حتى تصل إلى الحل الأنسب لها.

٧- اقرأ السير الذاتية والتاريخ

أياً كان تخصصك، فمن الضروري أن تقرأ التاريخ. فهو رواية لما مضى من أحداث صنعت التغيير في حياة آبائك وأجدادك، سواء كان التغيير للأفضل أو للأسوأ، لا يهم. المهم هو أن تتعرف على جذورك وكيف وصلت إلى ما أنت عليه اليوم. ثم قرر بعد ذلك، كيف تريد أن تكون؟ وما هي الرواية التي تود أن يسمعها الأجيال القادمة عنك؟

اقرأ أيضاً السيَر، فمن خلالها تعيش تجربة إنسان مثلك، أصاب وأخطأ، اختبر نجاحات وإخفاقات. تتعاطف معه أحياناً وتنتقده في أحيان أخرى. ترى دوافعه وما سببته من أفعال، وترى النتائج التي وصل إليها.

هل تريد أن تكون مثله؟ هل تسعى لتحقيق ما حققه من إنجازات؟ أم أنك لا ترغب في الانتهاء إلى مصير مماثل؟

في السيَر بشكل عام، نرى الأسباب والنتائج، كما نتعرف على الحقبة الزمنية والعوامل التي ساهمت في خروج تلك التجارب بالشكل الذي انتهت إليه. ومن هنا نتعلم الدرس، ونضيف حيوات إضافية لحياتنا.

الآن صرت تمتلك المفاتيح التي تدخلك عالم القراءة الاحترافية. لكن – كما وضحنا خلال المقال – القراءة الفعالة تتطلب اتخاذ خطوات أبعد لتطبيق ما فهمت إذا كنت تتفق مع المحتوى المكتوب. وكأي مهارة، ستجد أنك تزداد تمكناً من القراءة الاحترافية كلما مارستها واستثمرت الوقت والجهد في تنميتها، ونعدك أنك ستجد العائد مجزيًا.

فتش في الكتب وأطمئنك انك ستجد فيها الحل لأي تحدٍّ تواجهه. العالم تحت أمرك من خلال كتاب.