حياة أكثر

أنظمة عمل الدماغ

قدّم دانييل كانيمان مؤلف كتاب التفكير بسرعة وببطء مفهومًا رائعًا عن أنظمة عمل الدماغ لدى الإنسان. سنستعرض في هذا المقال بعض ما قدمه لنا وسنتعرف معًا على النظام السريع والنظام البطيء في التفكير. وما يميّز كل نظام عن الآخر. ثم سنعرض بعض الأمثلة للمهام التي يقوم بها كل من النظامَين. آملين أن يكون هذا المقال مفتاحًا لباب واسع من البحث والتعلّم في هذا المجال الشيّق والمثير.

مواقف

نستطيع بدون عناء ومن الكلمة الأولى عبر الهاتف أن تلتقط نبرة الغضب في صوت صديق مقرّب، أو إدراك أن سائق السيارة المجاورة مستهتر في قيادته.

حين تنظر إلى اللوحات الإعلانية على الطريق لا تملك إلا أن تقرأها. إن لم تُرِد قراءتها عليك أن تبذل جهدًا ذهنيًا لتتجنّبها.

كل هذه المهام ليست بسيطة بالضرورة، ولكنك قمت بها بسهولة وسرعة فائقة حتى أنك قد لا تلاحظ أصلًا أنك قمت بأي عمل؛ بل أنت تشعر وكأنما هي حدثت لك. لأن عقلك يعمل أوتوماتيكيًا في كل هذه المواقف.

أنظمة عمل الدماغ

النظام الأوتوماتيكي هو النظام المستحوذ على عقلك في أغلب الأحيان. وقد يكون هذا النظام سببًا في نجاتك من كارثة محققة كما قد يسبب أحيانًا وقوعك في خطأٍ مكلّف.

النظام الأوتوماتيكي (سنطلق عليه نظام ١) يتميّز بالسرعة والدّقّة الفائقتين، ولا يتطلّب مجهودًا ذهنيًا، ويبدو موافقًا لحدسك (بدٓهيّ) ولست واعيًا به معظم الوقت. نظام ١ هو أيضًا المسؤول عن المهارات المكتسبة: مثل تعلّم قيادة السيّارة والكتابة السريعة على لوحة المفاتيح دون النظر إلى الحروف.

هذه المهارات تحتاج في البداية إلى انتباه وتركيز. وهذه هي مهمة نظام ٢ (أو ما يطلق عليه النظام الانعكاسي).

نظام ٢ بطيء العمل، ويتطلّب جهدًا ذهنيًا ملحوظًا، وتكونُ واعيًا بما يعمل.

نظام ٢ كسول؛ لا يحبّ العمل. وهذا منطقي؛ فالطاقة الذهنية التي يتطلبها نظام ٢ للعمل محدودة. أيّ مجهود يقوم به يستنفذ من هذا المخزون. وهو يسعى دائمًا للحفاظ على ما به من طاقة. وهو في معظم الوقت يكون خاملًا ينتظر ما يستدعي اهتمامه لكي يبدأ العمل.

التفاعل الكامل مع نظام ٢

أثناء عمل نظام ٢يتفاعل جسدك بالكامل. حَدَقَتا عينيك تتسعان، ونبضك يتسارع. تستطيع أن تراها بنفسك.

حدّق في عينٓي صديقك أو أحد أقربائك، واطلب منه أن يخبرك بحاصل ضرب ١٥*٢٥. انظر جيّدًا لعينيه أثناء قيامه بحساب الناتج. ستجد اتّساعًا ملحوظًا في بؤبؤ العين سرعان ما يختفي بعد انتهائه من الحساب. أضمن لك أنّها ستكون تجرِبة ممتعة. وهكذا يتفاعل جسدك مع كل مهمّة تنطلّب انتباهًا. أو بمعنى آخر، مع كل مهمّة يقوم بها نظام ٢.

ما لم يكن هناك ما يستدعي انتباهًا شديدًا، ستجد أنّ السائق الماهر يستطيع القيادة والتكلّم مع من بجانبه في نفس الوقت. اطلب منه أن ينعطف يسارًا في طريق مزدحم وستجد أنّه توقّف عن الحديث؛ المهمّة الجديدة تستدعي الانتباه.

إذا كُنتٓ من هُواة ممارسة رياضة المشي، أو تمشي كثيرًا في الأسواق، ستلاحظ أنك دائمًا ما تسير بسرعة معيّنة لا تتغيّر. حفاظك على هذه السرعة لا يتطلّب مجهودًا ملحوظًا. ويمكنك الحديث عبر الهاتف أو التفكير في العمل أو التخطيط لما ستفعله غدًا أثناء السير. ولكن حاول أن تزيد من سرعتك ولو قليلًا وستجد أنّه من أجل الحفاظ على هذه السرعة سيقوم دماغك بالتركيز على مهمّة السّير ولن تستطيع القيام بمهام أخرى في نفس الوقت.

إذن يمكنك القيام بمهام متعددة في نفس الوقت ما دامت كل هذه المهام لا تتطلّب انتباهًا شديدًا. ولكن ما أن تبدأ في مهمة لست معتادًا على القيام بها؛ سيتدخل نظام ٢ ويبدأ بتوجيه طاقتك إليها.

موضوع ذو صلة: لمعرفة خطوات تكوين العادات اضغط هنا.

أمثلة على مهام نظام ٢:

  • العمليات الحسابية المعقّدة.
  • الانتباه لصوت شخص بعينه في مكان مزدحم به ضوضاء.
  • حساب عدد حروف الـ ح في هذه الصفحة.
  • المقارنة بين سلعتين لشراء أحدهما.

أمثلة على مهام نظام ١:

  • إكمال المثل: ”باب النجار ….“
  • قراءة اللوحات الإعلانية الكبيرة في الشارع.
  • النظر في اتجاه صوت مرتفع مفاجئ.
  • إجابة سؤال: ”ما اسمك؟“

    خاتمة

تأمل في الجُمل الآتية؛ عسى أن تعطيك منظورًا جديدًا لمواقف يومية:

”أنت ترد قبل أن تسمعني. نظام ١ يتحكم بدماغك. تمهّل قليلًا واسمعني جيدًا.“

”الإجابة التي تبادرت إلى ذهني كانت من نظام ١. عليّ أن أعيد تفكيري وأبحث جيدًا في معلوماتي.“

”هذه المهمة توسّع بؤبؤ العين. لن أحاول القيام بها أثناء القيادة. سأنتظر حتى أصل.“